محمد كرد علي
180
خطط الشام
دور الكتب [ نشأة الكتب : ] عرفنا من سير القدماء أنهم كانوا يقيدون علومهم ومآثرهم وتواريخهم وأيامهم في صنوف من المواد ، تكون على مقربة منهم ، وتكثر في أرضهم وديارهم . فالبابليون كتبوا كتبهم على الآجر أي بالطين المشوي ، وكتب الهنود على النحاس والحجارة والحرير الأبيض والطومار المصري ، والعرب عمدوا إلى أكتاف الإبل واللخاف ، أي الحجارة البيض الرقاق وعسب النخل . وبقي الأمر على ذلك حتى شاع الورق المعمول من الكتان في خراسان وسمرقند وبغداد ودمشق ، منذ القرن الأول للهجرة على ما يظهر . ولما شاع الورق قضي على الرّق لسهولة تناول القرطاس والمهرق ، وهي الصحيفة البيضاء يكتب فيها . وكان من الحرير الأبيض ما يسقى الصمغ ويصقل ثم يكتب فيه ، وقد اعتمدوا عليه قبل القراطيس بالعراق ، وكتب بعض أهل الغرب في صفائح من معدن رقيق . وكان أهل فرغامة في الروم أول من استنبطوا الرّق ، كانت له تجارة رابحة بارت بظهور الورق ، وكانت الكتب في العراق تجعل في جلود دباغ النورة أي الكلس ، وهي شديدة الجفاف ، ثم كانت الدباغة الكوفية ، تدبغ الجلود بالتمر وفيها لين ولا رائحة لها ولما فتح الإسكندر فارس كان العلم منقوشا مكتوبا في صخور وخشب ، فأخذ حاجته منها وأحرق الباقي . ولما تولى أردشير بابك وابنه سابور على فارس والعراق تجمع ما تفرق من الكتب فيهما ، واستنسخ من الهند والصين والروم